صاحب بالين كذاب: سقوط خرافة الـ”ملتي تاسكنق”

إن كنت من المتباهين بقدرتك على القيام بأكثر من مهمة في نفس الوقت فأكره أن أكون حامل الأخبار السيئة بالنسبة لك و أخبرك بأنك لا تسدي صنيعا حسنا إلى نفسك بفعلك هذا

يقول المثل الشعبي الدارج: “صاحب بالين كذاب” والعلم يقول: إن لم يكن كاذبا فهو على أحسن الأحوال لا يقدم أي أعمال ذات جودة عالية.

لكن لماذا لا يمكن للإنسان (الطبيعي) أن يكون ذو بالين؟ وأن يكون قادرا على تنفيذ أكثر من مهمة في نفس الوقت؟

مثلما ذكرت في مواضيع سابقة، لكي تكون قادرا على إنتاج عمل ذو جودة عالية لابد من اتباع معادلة (قليل من الملل + كثير من التركيز) وسأركز في حديثي اليوم على العنصر الثاني في المعادلة (كثير من التركيز)

 لنشبه تركيز الإنسان بآلة حفر وتنقيب عن النفط، ووجه الشبه هنا أن كلاهما لن يؤديا الغرض المرجو منهما طالما بقيا على السطح ولم ينزلا إلى الأعماق

لنفترض أن شركة تنقيب عن النفط قد بدأت أعمال الحفر بمنطقة تعلم أنه يوجد نفط بها، لكن بعد خمس دقائق من بدء الحفر توقف العمل وقامت الشركة بنقل الحفارة بأكملها إلى مكان آخر ثم بدأوا الحفر مرة أخرى، وبعد خمس دقائق توقفوا مرة ثانية عن الحفر و انتقلوا لمكان آخر و هلم جرا، ينتقلون من مكان لآخر دون أن يواصلوا الحفر في مكان واحد

برأيكم، هل سيصلون إلى ما يريدون؟ قطعا لا!

تعدد المهام التنقل بينها يفعل الشيء ذاته بعقلك، تتنقل بين المهام دون أن تستطيع أن تصب كل تركيزك على إنهاء مهمة واحدة والنتيجة: لا إنتاجية، او إنتاجية ذات جودة منخفضة في أحسن الأحوال!

يستطرد كال نيوبورت في كتابه الرائع Deep Work في هذه النقطة وينسب الفضل إلى تقديم أعمال ذات جودة عالية إلى حالة التدفق Flow التي يدخل فيها الشخص عند يضع كل تركيزه على أمر واحد فقط

ماهي حالة التدفق أو الـ Flow؟

هل مررت بتلك الحالة التي تجد فيها قلمك يرسل الكلمات مدرارا على الورق دون توقف، أو فرشاتك وهي تتراقص بكل رشاقة على لوحة الرسم دون أن يوقفها شيء، أو تجد أصابعك تعزف على آلتك المفضلة وسيل الأفكار الذي يعزز عملك لا يتوقف داخل رأسك؟

تلك هي حالة التدفق، فيها يدخل العقل في حالة تركيز متواصلة مستمرة وتتدفق فيها الأفكار بلا انقطاع

المشكلة هنا، أنه حالما تتعرض حالة التدفق هذه لأي تشويش فإنه من الصعب جدا العودة إليها والانخراط فيها بسهولة مرة أخرى، ويحتاج العقل إلى وقت ليس بالهين للعودة إليها

هذا ما يفعله تعدد المهام بك، تظن أنك تبلي بلاء حسنا بإتمامك مهام عديدة في نفس الوقت بينما في الحقيقة أنت تمنع عقلك من الدخول في الحالة التي تضمن لك أفضل النتائج في عملك بالتنقل المستمر بين المهام و بالتالي تضيع وقتا ومجهودا كثيرين في مقابل مردود متدني، إن كان هناك من مردود أساسا!

والآن، كيف نجهز أنفسنا للدخول في حالة التدفق هذه لكي نتمكن من إنجاز أعمال عالية الجودة؟

  1. الق خرافة أن بإمكانك تنفيذ مهام متعددة ف نفس الوقت خلف ظهرك للأبد
  2. حصص وقتا محددا (ذو بداية ونهاية) للقيام بكل مهمة، وصب كل تركيزك على إنجازها و إنجازها فقط خلال الوقت الذي حددته
  3. إذا كنت تنوي بالعمل على مشروع كبير فقسمه إلى مهام صغيرة، هذه الطريقة تسهل عليك عملية التركيز وتبقي نظام المكافأة الذاتي الخاص بك في حالة عمل مستمرة
  4. اكتب كل ما يدور في ذهنك من أفكار تطرأ في بالك فجأة على ورقة لإبقاء تركيزك في حالة صفاء مستمر
  5. خذ فترات استراحة قصيرة بين المهام لإعادة ضبط تركيزه وتجهيزه للمهمة القادمة
  6. كن صارما جدا مع الذين يحاولون سرقة تركيزك وتشتيت انتباهك
  7. احذف جميع التطبيقات التي تسرق وقتك دون أن تشعر
  8. أغلق تنبيهات هاتفك المحمول   
  9. أغلق تنبيهات هاتفك المحمول   
  10. أغلق تنبيهات هاتفك المحمول   

وأخيرا وليس آخرا، ذكر نفسك دائما وأبدا بالهدف الذي تنوي تحقيقه، وما قيمته بالنسبة إليك مقارنة بالأعمال الأخرى الأقل قيمة

شكرا جزيلا

الخوف من رموز السلطة: القلق الذي سيقضي على مستقبلك المهني

هذا الموضوع إهداء لكل من يعلم أن لديه كل مقومات النجاح في الحياة، لكن ما يحول بينه و بين ذاك النجاح مجرد ذكريات قديمة وسيئة عن والديهم أو مدرسيهم أفقدتهم الثقة بأنفسهم و قدراتهم.

سأتكلم عن هذا الموضوع من منظور النجاح في الحياة الوظيفية، قد يكون للنجاح الوظيفي في أي مهنة معادلة بسيطة هي: الإلمام بأمور الوظيفية التقنية + وجود المهارات القيادية

عناصر هذه المعادلة ثابتة و لا تتغير، ولكن نسبة تأثير كل عنصر منها على النجاح الوظيفي يتغير حسب التدرج في المسار المهني، على سبيل المثال لايتوقع من حديثي الخبرة في وظيفتهم الأولى أن يظهر مهارات قيادية عليا بقدر المامه بمتطلبات الوظيفة التقنية والمامه بها (90% معرفة تقنية + 10% مهارات قيادية. وتزداد نسبة المهارات القيادية على حساب المعرفة التقنية كلما ارتقى الشخص في السلم الوظيفي (50%-50% في حالة الإدارة المتوسطة) وتصل إلى 10%-90% في حالة المدراء التنفيذيين.

واضح جدا أليس كذلك؟ إلا أنني قد شهدت خلال العشر سنوات الماضية التي قضيتها في سوق العمل حالات وظيفية لديها كل مقومات النجاح (حسب المعادلة أعلاه) لكنها تواجه صعوبات شديدة في ترسيخ نجاحها هذا لسبب خفي، قليل جدا ممن ينتبهون إليه ويعملون على علاجه.

هذه الفئة، كما أسلفت، لديها كل المقومات للنجاح الوظيفي: يتمتعون بمهارات قيادية عالية مع مرؤوسيهم ويقومون بإضافة كثير من الفائدة لنظرائهم على الدوام،  إلا أنهم عند التعامل مع رؤسائهم يتحولون إلى أشخاص آخرين غير قادرين على الكلام والتعبير عن آرائهم والدفاع عن وجهات نظرهم، يتحاشون لقاء مدرائهم في الممرات وغير قادرين على فتح محادثة عابرة معهم خارج إطار العمل، ويخترعون الأعذار لتحاشي أي موقف يضعهم تحت الاختبار من قبل مدرائهم مما يعطي انطباعا سلبيا عنهم لدى رؤسائهم والإدارة العليا في شركاتهم ويبطئ، إن لم يقتل، فرص نجاهم الوظيفية.

لكن، لماذا تتصرف هذه الفئة هكذا؟

النجاح، في نهاية المطاف، هو عقلية أكثر من كونه مجموعة من الاجراءات والخوارزميات التي عليك تنفيذها بحذافيرها لكي تحقق النجاح المهني، يمنع هؤلاء من اتباع هذه العقلية حواجز نفسية فرضت عليها تمنعها من تحقيق ماتريد، و الحاجز في هذه الحالة هو رهاب يطلق عليه (رهاب رموز السلطة).

ماهو رهاب رموز السلطة؟

هو حالة من القلق تصيب الأشخاص المصابين به عند التعامل مع أي شخص يملك شكلا من أشكال السلطة والقوة. تحول حالة القلق هذه الشخص المصاب بها إلى شخص آخر، يتحول فجأة من شخص متحدث منفتح على الآخرين إلى آخر متوتر شديد الخجل حول غير قادر على الحديث  و التعبير عما يدور برأسه بسهولة حينما يكون متواجدا حول رموز السلطة، مما يؤدي في نهاية إلى ظهوره بشكل غريب ومحرج مشكلا انطباعا سلبيا عنه يضر بمسيرته المهنية وقد يضع حدا لها في بعض الأحيان.

هذا النوع من الرهاب من أكثرها شيوعا و أكثرها ضررا على تطور المجتمعات و الاستفادة من القدرات الكامنة فيها، و لاتجد من يتحدث عنه وعن ضرره الخفي الكبير.

ندين بالفضل لانتشار هذا الرهاب إلى الثقافة الأبوية التي تقدس السلطة المطلقة للأب في بيوت ومدارس وكل أرجاء العالم العربي.

التربية وأسلوب التواصل في البيت والمدرسة هم أهم مسببات هذا الرهاب، وغالبا مايتكون في سن مبكرة لدى الطفل عندما يتعرض إلى موقف محرج ومهين من أحد الرموز السلطة في حياته سواء في البيت أم في المدرسة عن طريق التعنيف اللفظي أم الجسدي.

هذه المواقف تولد لدى الطفل رهبة من رموز السلطة في حياته وتفقده ثقته بهم، وتغمره برغبة مستمرة على الدوام في تحاشي أي موقف يضعه تحت مجهر الاختبار من قبلهم، وتغمره بحالة من الشلل تفقده القدرة على القيام بأبسط عمليات التواصل الانساني معهم

النشأة في بيت به كثير من العنف الأسري تجاه الأبناء من أحد الأبوين أو كلاهما يصنع ندوبا نفسية لا يمكن الشفاء منها بسهولة ويصعب على الشخص المصاب بها أن يحقق أي شكل من أشكال النجاح في المستقبل، عكس البيوت التي ينشر فيها الآباء جوا من الأمان و الطمأنينة ويغرسون في نفوس أبناءهم الثقة بالنفس

أيضا لا أبالغ، وقد يتفق كثير منكم معي خصوصا من كان طالبا مدرسيا إلى بداية الألفينات الميلادية، إن قلت أن المدارس (وخصوصا الحكومية منها) تتحمل جزءا كبيرا من المسؤولية في تخريج أجيال كاملة مصاب بهذا الرهاب، ولاداعي للاستطراد هنا لأني أعلم أن كل منكم لديه قصة ليحكيها  

هذه بعض من النصائح والنوجيهات لمواجهة هذا الرهاب والتخلص منها:

  1. ركز على الشخص وليس على السلطة التي يملكها
  2. ابتعد من وضع نفسك في حالة دفاعية أثناء حديثك مع أحد رموز السلطة
  3. راقب لغة جسدك على الدوام – لا تتراجع عند رؤيتهم وابق تواصل العينين معهم
  4. استرخي وتعلم كيف تضبط أعصابك
  5. امنحهم الثقة بهم و بتوجيهاتهم     
  6. اعزل مشاعر الخوف والقلق ولاتربطهم عقليا برموز السلطة
  7. ركز على الأمور الإيجابية و المشتركة بينك وبينهم
  8. تذكر دائما وأبدا أن الشخص صاحب السلطة هو إنسان مثلك وليس وحشا
  9. لا تخاف من أن تكون حازما عند الحاجة، ليش بالضرورة أن تكون ردة فعلهم سلبية كما تتخيل في عقلك
  10. لا عيب في مراجعة وزيارة الاستشاري النفسي لمساعدتك على التخلص من هذا الرهاب إن كان بلغ مبلغه معك

ختاما، تربية النشء وتعزيز ثقتهم مسؤولية كبيرة تقع على عاتق البيت والمدرسة، وحري بكل أب وأم، معلم ومعلمة أن يدركوا حجم وعظم وعواقب اساءة التصرف في هذه المسؤولية  

وشكرا

معضلة الخيار

أعود مرة أخرى للحديث عن الوفرة و أثرها على جود حياة البشر، هذه المرة سأستحضر مصطلح “معضلة الخيار” “Paradox of Choice” الذي ذكره الكاتب الصحفي مالكوم قلادويل في كتابه الرائع Blink عندما تحدث عن قصة التجربة النفسية التي قامت بها دكتورة علم النفس من جامعة كولومبيا شينا أينقار.

التجربة التي قامت بها شينا كانت بسيطة جدا و تهدف إلى توضيح أثر الخيارات الكثيرة على القرارات التي يتخذها الشخص: ما فعلته شينا بالضبط هو أنها قامت بنصب طاولة لبيع المربى بجوار مدخل المتجر المحلي الذي تشتري منه على الدوام.

الخطة كانت كالتالي: عرض عينات من  جميع أنواع المربى المعروضة للبيع للتجربة من قبل الزبائن قبل اتخاذهم قرار الشراء، مع تفصيل صغير في غاية الذكاء….

كانت شينا تغير أعداد المربى المعروضة للبيع من 6 إلى 24 و العكس كل عدة ساعات و قياس عاملين: عدد الزبائن المتجهمرين و نسبة البيع في كل فترة

مالاحظته شينا كان مثيرا للإهتمام بشدة، حيث لاحظت أن عدد الزبائن المتجمهرين على طاولة العرض حينما تعرض 24 نوعا من المربى كان أكثر بكثير من عندما كانت 6 أنواع معرضة فقط، لكن….

لاحظت شينا أيضا أن عدد الزبائن الذين يشترون المربى حين عرضها لـ6 أنواع فقط كان أكثر بكثير من وقت عرضها للـ24 صنفا، على عكس المنطق الذي يدفعنا للحكم أن نسبة المبيعات ستكون أعلى في الحالة الأخيرة!

ما خلصت إليه تجربة شينا، وأكدته بعدها دراسات عديدة قامت بها هي و آخرون، أن الخيارات الكثيرة لا تعني بالضرورة إتخاذ قرار أفضل، ذلك أن الخيارات العديدة تغمرنا بإحتمالات و سيناريوهات متخيلة كثيرة، مما يصعب و بشدة عملية إتخاذ القرا، بالإضافة إلة أن الإختيار من خيارات كثيرة جدا يجعلنا غير راضين عن قرارنا و يدفعنا إلى دائرة “ماذا لو؟” المزعجة   

الآن، قس هذه التجربة على حياتك، خيارات وافرة ولا متناهية من الترفيه على بعد ضغطة زر منك بفضل للتقنيات الحديثة و سرعات الإنترنت العالية التي وضعت نتفلكس، يوتيوب، سبوتيفاي، كرنشي رول، أمازون كندل، أمازون أوديبل، تويتر انستاقرام و بائس الذكر سناب شات وغيرهم العديد رهن إشارتك، اسأل نفسك: هل أنت بحاجة لكل خيارات الترفيه هذه لتجعل من نفسك إنسانا أفضل؟ ليس بالضرورة بل كما رأينا في التجربة سالفة الذمر ستقضي وقنا طويلا متنقلا بينهم دون الخروج بفائدة حقيقية تذكر

لكن، ربما قد يكون هنالك فائدة لوجود الوفرة في حياة الشخص، و قد تكون حالة استثنائية نذكرها هنا من باب الاستئناس

يذكر الكاتب الأمريكي من أصول لبنانية نسيم طالب في مقدمة كتابه (البجعة السوداء) قصة (المكتبة المضادة) التي يمتلكها الروائي الإيطالي العظيم أمبرتو إيكو، فماهي هذه المكتبة المضادة؟

أمبرتو إيكو يعد من الشخصيات الموسوعية وافرة العلم و المعرفة في عالمنا الحديث، يمتلك مكتبة شخصية بها ما يقارب الثللاثون ألف كتابا في كل مجالات الحياة، أعلم جليا ماهو السؤال الذي يشغل عقولكم حاليا: هل قرأ كل هذه الكتب؟ الإجابة هي لا، هل ينوي قراءتها جميعا يوما ما؟ الإجابة هي أيضا لا

إذا، لماذا يملك كل هذه الكتب؟

المكتبة في نظر لإيكو عبارة عن أداة أبحاث، وليست حلية للتباهي و الاستعراض، و يرى إيكو بأن الكتب التي لم تقرأ بعد تحمل قيمة أعلى بكثير من الكتب التي قرأت، و أن أي مكتبة شخصية لابد أن تحتوي على مايجهله صاحبها أكثر مما يعرفه، و أن كلما ازدادت معرفتك مع تقادم السنين ازداد عدد الصفوف التي تحتوي على كتب لم تقرأها في مكتبتك، كتب تنظر إليك بكل تهديد وتشعرك بأنه مهما كنت قارئا ومطلعا بأنه لايزال يوجد الكثير مما لاتعرفه

ختاما

الوفرة وكثرة الخيارات عدوة للتخصص والإبداع، ضيق مدى تركيزك في خيارات معدودة قليلة لتساعد نفسك على النجاح والإبداع فيها

شكرا جزيلا                     

قليل من الملل…كثير من التركيز

بادئ ذي بدء: ينبغي علينا أن نتفق على ثلاث حقائق:

1- الشبكات الإجتماعية منصة نشر لأعمالك الإبداعية التي تصنعها خارج هذه الشبكات، وليست هذه الشبكات بحد ذاتها محفزا أو ملهما إبداعيا، كونك متواجدا على هذه الشبكات على الدوام لن يساعدك على إطلاق إبداعاتك أبدا

2- الملل عدو لدود للعقل البشري، ولكنه مثل البكتيريا النافعة للإنسان، وجود القليل منه بشكل مستمر مفيد جدا للقريحة الإبداعية

3- المعادلة لكونية لإنتاج أي عمل إبداعي هي: قليل من الملل + كثير من التركيز، و إخلالنا لوزنية هذه المعادلة هي السبب الرئيسي لاضمحلال المحتوى الإبداعي

أولا: لماذا قليل من الملل؟

عقل الإنسان في حالة نشاط مستمرة، و لايمكن له أن يمضي ثانية واحدة دون أن يكون منخرطا في أي نشاط، سواء كان هذا النشاط عبارة عن أفكار عشوائية تباغتك، أم تأملاتك في نقوش أرضية الحمام و أنت تقضي حاجتك، أم حاجتك المستمرة لإلقاء نظرة على شاشة جوالك المحمول لقراءة آخر المستجدات في حساباتك الاجتماعية

كل هذه مؤشرات على عقل بحالة سليمة يبحث عن محفزات (Stimuli) تجعله في حالة نشطة على الدوام، علامات تشير إن عقلك يقاوم الملل و يريد أن ينشغل في أي شي

في عصرنا الحالي، نستطيع أن نقول بكل فخر، أننا اجتثثنا الملل من جذوره، و نجحنا بكل اقتدار مع كل وسائل الترفيه الوافرة من حولنا بأن نجعل أنفسنا ترفيه مستمرة، وعقولنا في حالة انشغال مستمرة. لكن للأسف، وقعنا في آخر أكثر خطورة أثناء هروبنا من الملل!

الدماغ البشري مثل قطعة الاسفنج، يتشرب كل ما يتلقاه لكي يبقى في حالة نشاط دائم، إن تركته جافا تضرر و تركته يتشرب أكثر من اللازم تضرر أيضا، و مع وفرة وسائل الترفيه و المشتتات من حولنا أستطيع الجزم أن عقولنا أصبحت متشربة أكثر من اللازم على الدوام!

و ماذا يعني ذلك؟ و مالخطر الكامن هنا؟ كي نفهم هذا الخاطر ينبغي علينا أولا أن نفهم كيف يعمل العقل البشري

هناك وضعيتين يعمل بها العقل البشري:

  1. وضعية الإنتباه التنفيذي (Executive Attention Mode): في هذه الوضعية يركز الدماغ على تنفيذ مهمة واحدة فقط و هي إدارة المعلومات في الذاكرة قصيرة المدى ويهمل جميع العمليات الأخرى التي تدور بداخله، ويتم تفعيل هذه الوضعية عندما ينخرط الشخص في نشاط يستقي منه فيض معلوماتي بسكل متواصل (مشاهدة التلفزيون، التحديق في شاشة الهاتف و متابعة تحديثات الشبكات الاجتماعية إلخ..)
  2. الوضعية الافتراضية (Default Mode): في هذه الوضعية يقوم الدماغ بأرشفة جميع المعلومات الواردة من الذاكرة قصيرة المدى إلى الذاكرة طويلة المدى، و تحليلها و الربط بينها و خروج بأفكار منها. و لا يعمل الدماغ على هذه الوضعية إلا إذا الشخص في نشاط لايضع مجهودا على الدماغ (التأمل، المشي، غسيل الصحون على سبيل المثل)

حالة الترفيه المستمرة التي وضعنا أنفسنا فيها هربا من الملل تجعلنا على الدوام في الوضع التنفيذي، بمعنى أن الدماغ يستقبل فيضا وافرا من المعلومات و لا يجد الفرصة لأرشفتها و تحويلها إلى الذاكرة طويلة و الاستفادة منها، مما يؤدي في نهاية المطاف إلى حالة تفكير سطحية مستمرة لا ينتج منها أي عمق فكري أو أفكار لمحتوى إبداعي

لهذا السبب نقرأ كثيرا في الشبكات الإجتماعية وكأننا لا نقرأ، نشاهد و كأننا لم نشاهد، لأن المعروض فيها كثير جدا في فترة زمنية قصيرة، أكثر من قدرة العقل البشري على معالجته بسرعة

ثانيا: لماذا كثير من التركيز؟

التركيز، و التركيز العميق على وجه التحديد، يضع الشخص في حالة من اتصال الأفكار تساعده على إنتاج محتوى ذي جودة عالية لا يمكن له أن ينتجها و هو في حالة تركيز سطحي

ومن نافلة القول بأن تنبيهات الجوال المتواصلة هي العدو اللدود للتركيز، و التي جعلت من الصعب، بل من المستحيل، البقاء في حالة تدفق فكري عميق

حسنا، مالعمل الآن؟

في خضم الوفرة الحاصلة في الترفيه، كيف يمكن لنا أن نحصل على قليل من الملل وكثير من التركيز؟

  1. قنن وقلل خيارات الترفيه لديك، لست بحاجة لأن تشاهد فيلما أو عدة حلقات من مسلسلك المفضل كل يوم، أو أن تكون متواجدا في الشبكات الاجتماعية على الدوام
  2. ضع خطوة، او عقبة إضافية، أمام الوصول إلى كل ما يلهيك، احذف التطبيقات التي تستهلك وقتك من الهاتف، أغلق الهرفة التي بها أجهزة الترفيه (أو افصل جميع الأسلاك إن كانوا في مكان مفتوح)
  3. خصص وقتا محددا في الأسبوع للترفيه، و تذكر دائما أن أولويتك رقم 1 هي الاستفادة من وقتك بشكل منتج و ليس الترفيه
  4. احذف كل الوافر في حياتك، لست بحاجة إلى جمع أطنان من المسلسلات و الأفلام لديك، ولست بحاجة إلى فتح حساب في جميع شبكات التواصل، فقط اقتن ما انت بحاجة إليه
  5. خصص وقتا في أسبوعك للعزلة، أغلق هاتفك المحمول و ابتعد عنه لساعة على الأقل و أؤكد لك أنك لن تمت 😊
  6. أغلق تنبيهات التطبيقات في جوالك، على الدوام
  7. خصص وقتا في اليوم لمتابعة حساباتك، لا أن تكون متواجدا فيها على الدوام
  8. تذكر دائما و أبدأ، تركيزك و انتباهك هي السلعة التي تتقاتل عليها الشبكات الاجتماعية، لا تجعلها فريسة سهلة لهم

قليل من الملل، من ممارسة اللاشيء مفيد لعقلك، لصحتك، لإبداعك

شكرا جزيلا

بعض المراجع المهمة للاستزادة:

Bored and Brilliant – Manoush Zommorodi

https://www.goodreads.com/book/show/33574185-bored-and-brilliant

Deep Work: Rules for Focused Success in a Distracted World – Cal Newport

https://www.goodreads.com/book/show/25744928-deep-work

عن الوفرة….

الوفرة نظيرة الشح، وكثير من الرفاهية أشبه بالحرمان… التكنولوجيا الحديثة، سرعات الانترنت العالية قدمت محتوى وافرا متاحا على الإنترنت بكل سهولة و يسر و على بعد ضغطة زر، وهذا لعمري أم النقم وقمة البلاء على الانسان….

قبل عشرين عاما لم يكن من السهل الحصول على محتوى ترفيهي من الانترنت، كنا نذهب إلى محل الفيديو، إلى المكتبة، إلى محلات التسجيلات الموسيقية للحصول على فيلم، على كتاب أو على أحدث أليوم موسيقى

هذا المجهود المبذول كان لذته الخاصة، يتوج بلحظة فتح الصفحة الأولى من الكتاب، المشهد الأول من الفيلم أو أول أغنية من الألبوم، لذة ربما لن يعرفه الجيل الجديد

منذ تطور سرعات الانترنت من منتصف العقد السابق و المعروض على الانترنت من وسائل الترفيه أصبح أكثر مما تسعه حياة واحدة (أو حتى تسع حيوات!) الأمر الذي ولد البطر في نفوسنا، والإحساس الدائم بالشبع الذي أفقدنا إحساسنا بقيمة مالدينا من وسائل ترفيه

نسجل دخولنا على نتفلكس ولا نجد ما يعجبنا رغم كم الأفلام الهائل فيه، نتنقل بين المقاطع الموسيقية العديدة في سبوتيفاي دون أن نجد من بينهاأليوم أوأغنية نستمع إليهادون توقف كما كنا نفعل في السابق، نقرأ الكتاب في الكندل على عجل و من ثم نتوقف في منتصفه لنقرأ غيره لأننا نملك الكثير غيره

مالعمل إذا؟ علينا أن نرد كل شيء إلى أصله ونضع حدا لوجود التكنولوجيا في حياتنا ابحث عن توازنك لتجد احساس المتعة القديم الذي فقدناه…

بل اكرهوا اللعبة أيها المثقفون

لم يغب عن أي مطلع على وسائل التواصل الإجتماعي اللغط  الذي أثاره بعض المثقفين قبل عدة أسابيع بسبب نشر أحد مشاهيرالشبكات الإجتماعية كتابا له في معرض الرياض للكتاب و مطالباتهم بسحب الكتاب من المعرض بل ومنع ذلك المشهور من دخول المعرض بسبب أنه “طفل” و”ليس لديه فكر”.

ساد اللغط في تويتر لفترة و كثرت التحليلات حول السبب الحقيقي لهذه المطالبات، و بغض النظر عن السبب الحقيقي فإننا إن عدنا خطوتين إلى الوراء و نظرنا للأمر من منظور أشمل و أوسع نجد أن هؤلاء المثقفين يوجهون غضبهم و مشاعرهم السلبية على الشخص الخطأ؛ القدرة على الكتابة و التأليف ليست محصورة على سن معينة ولا يوجد قانون  يقتضي بمنع الأطفال من الكتابة، و لا كل الكتب الموجودة على أرفف متاجر الكتب بذلك العمق الأدبي الذي يجعل هؤلاء المطالبين بالمنع يجن جنونهم بهذه الطريقة. إن كان هناك ما يستحق الغضب فلنغضب على حقيقة أنه لا توجد في العالم العربي صناعة نشر حقيقية!

و ماذا يعني عدم وجود صناعة نشر؟

صناعة النشر بإختصار، عندما تتواجد كصناعة مؤسسية حقيقية، تقدم للمؤلف خدمات حقيقية تضيف إلى المؤلف و كتابه قيمة عالية، لعل أولها و أهمها أنها تمنعه من الوصول إلى السوق إن لم يكن جاهزا لتقديم ما يستحق القراءة من قبل الجمهور، و تضعه أمام حقيقة أن كونك قادرا على صف الكلمات جنبا إلى جنب لا يصنع منك كاتبا من المحاولة الأولى.

ليس من المجهول على كل من مر بتجربة التأليف و النشر في العالم العربي حقيقة أن دور الناشر العربي في دورة حياة كتاب لا تتعدى كونه مجرد “معقب” أو وسيط؛ غالبا ما تنحصر وظيفته، بعد تحصيل رسومه مقدما، في الحصول على التراخيص اللازمة للنشر من الجهات الحكومية و التواصل مع المطبعة و إيصال الكتاب إلى منافذ البيع: لا خدمات تحريرية، لا مراجعة حقيقية للمحتوى و تركيبه، لا مراجعة لغوية أو إملائية، و لا حتى تسويق للكتاب المنشور بل قد يخبرك الناشر بأن التسويق هي مسؤوليتك كمؤلف!

لا شيء ذي قيمة حقيقية يضيفه الناشر العربي إلى الكتاب المطبوع، في الحقيقية إن أردنا تلخيص عملية النشر في العالم العربي فهي كالآتي:

  1. اكتب ما شئت (في ظل مظلة الرقيب بالطبع!)
  2. تواصل مع أي دار نشر
  3. ادفع تكاليف الطباعة و النشر من جيبك
  4. مبارك عليك! أنت الآن أصبحت كاتبا و من زمرة المؤلفين!

 

غضب المثقفين في هذه الحادثة مفهوم، لكنه يصب في شخصنة المشكلة ضد الأطراف الخطأ. ليست المشكلة في من كتب ماذا، المشكلة تتمثل في أن سوق النشر بوضعه الراهن يتيح الفرصة للجميع نشر مؤلفاتهم بغض النظر عن جودة محتواها طالما أن أصحابها سيتكفلون بدفع تكاليف طباعتها و سيتحملون عبء تسويقها، و مشاهير الشبكات الإجتماعية كانوا أكثر ذكاء و نفعية عندما انتبهوا لهذه الثغرة التي لن تجعل أي شخص  في موضعهم أن يتردد لوهلة في أن يستغل شهرته وينشر كتابا أيا كان محتواه طالما أنها سيزيد شهرته، و هذا ما تحقق للمشهور إياه.

 

صناعة النشر في العالم العربي تحتاج إلى مراجعة و إعادة نظر لكي تتمكن من التطور من كونها مجرد “دكاكين ربحية” إلى مؤسسات تقدم المؤلفين العرب الواعدين و المميزين إلى القراء بآلية ترقى بجودة المحتوى الأدبي العربي، و تحفظ حقوق المؤلف و تمكن الناشر نفسه من الربح. أين يجد المثقف العربي نفسه من هذه المسؤولية؟

 

إلى أن يحدث هذا التغيير سنرى مزيدا من هذه الكتب، و لا يسعنا سوى استعارة مقولة أمريكية نختم بها هذه المقالة: لا تكرهوا اللاعبين، بل اكرهوا اللعبة أيها المثقفون!

لماذا لم نعد نهتم بالقتلى في سوريا و نهتم بهم في أوروبا؟

يذكر الكاتب و الباحث المشهور نسيم طالب في كتابه (البجعة السوداء) قصة حدثت في السبعينات الميلادية عن طفل رضيع سقط في بئر في إحدى مدن إيطاليا و ظل في قاعها لعدة أيام يبكي بلا حول منه و لا قوة لأن فرق الإنقاذ لم تتمكن من إخراج، ظلت هذه الحادثة حديث الناس و الشغل الشاغل في كل أرجاء إيطاليا و أصبح من النادر حينذاك أن تجد أحدا في إيطاليا في ذاك الوقت لم يسمع بهذه المأساة الوطنية.

في الوقت ذاته كانت لبنان تعاني ويلات الحرب الأهلية التي حصدت أرواح الآلاف و شردت كثيرا من الللبنانيين من أراضيهم و على رغم ذلك كله كان اللبنانيون، في ظل محنتهم و على الرغم من كل الأخطار الدائرة من حولهم من قتل و خطف و تفجير، متعاطفين مع ذلك الطفل الإيطالي و يتابعون أخباره بكل شغف إلى أن تمكنت السلطات الإيطالية من إنقاذه في نهاية المطاف….

أؤكد لكم، رغم أني لم أعش تلك المرحلة، أن أحدهم وقتها قد تساءل و قال: “أكل هذا التعاطف لأجل صبي إيطالي وقع في بئر؟ أين أنتم عن الأطفال الذي يقتلون في لبنان كل يوم؟”

و هذا السؤال، عزيزي القارىء، يشابه سؤالا نسمعه و نقرأه كل يوم في السنوات الأخيرة: “لم تتعاطفون مع ضحايا الحوادث الإرهابية في أوروبا؟ أين أنتم عن الضحايا في سوريا؟؟”

سؤال مشروع و في محله في كلتا الحالتين، للإجابة على هذا السؤال يتوجب علينا أن نضع أيدينا على القاسم المشترك بين الحالتين اللبنانية و السورية الذي هو لب المشكلة الذي تتمحور حوله هذه المعضلة الأخلاقية في نظر الكثيرين.

يقول الزعيم السوفييتي جوزيف ستالين : “مقتل شخص حادثة مأساوية، مقتل الملايين مجرد إحصائية”؛ كان التعاطف مع ضحايا الأزمة السورية في بدايتها عاليا جدا، نتعاطف مع الضحايا و الصور التي تردنا عنهم، نتكلم عنها في شبكات التواصل الإجتماعية بكل ما أوتينا من عاطفة و غضب و نطالب بالثأر لهم، ثم على مر الأعوام تتوالى صور الضحايا و المجازر تلو الأخرى تلو الأخرى تلو الأخرى حتى أصبح الأمر مجرد حادثة أخرى تحوي رقما جديدا من الضحايا قد نتعاطف أو لا نتعاطف معها.

يصف عالما النفس ديبرا سمول و بول سلوفيك هذه الظاهرة بـ”إنهيار التعاطف Collapse of Compassion”، القاسم المشترك بين الحالتين السورية و اللبنانية؛ كلما زاد عدد الضحايا في حادثة ما فإن مقدار التعاطف الذي يشعر به البشر حيال ضحايا هذه الحادثة يذهب في الإتجاه المعاكس و كنتيجة لذلك تنخفض رغبتهم في الحديث عن تلكم الحادثة أو دعمها و قد يصل الأمر إلى تجاهل الحادثة تماما!

لكن لماذا يحصل هذا الإنهيار؟  أليس من المفترض أن كلما كبر حجم الفاجعة كلما زاد تعاطفنا معها؟ يبدو الأمر كذلك لوهلة لكن في حقيقة الأمر، حسب الدراسات الأخيرة في علم النفس، يحصل هذا الإنهيار كوسيلة دفاعية تلقائية تحمي الشخص المتلقي من سيل العواطف الذي قد يغمره و ينجرف معه.

في المقابل، الحوادث الإرهابية التي تحصل في مدن أوروبا، من باريس و بروكسل و مانشستر و غيرها، إذا ما قورنت بما يحصل في سوريا فإنها تعد حوادث فردية تحصل في أماكن لا يوجد بها صراع مسلح بها و بالتالي يكون حجم التعاطف معها كبير نسبيا إذا ما قورنت بما يحدث في سوريا أو ما حصل في حالة الطفل الإيطالي و متابعيه اللبنانيين.

معاذ الله أني أدعو من خلال هذا المقال إلى مزيد من التجاهل لما يحدث للشعب السوري الشقيق، لكن ما يحدث هناك أكبر و أعظم مما قد تتحمله نفس بشرية، كارثة بشرية مهولة تجبر الإنسان على تجاهلها رغماعنه كي لا يفقد الأمل في هذه الحياة…..

كلنا أمل و رجاء أن تنفرج هذه الأزمة عن الشعب السوري و تنكشف غمته في القريب العاجل….

 

في وهم الأبراج

لا يزال العقل البشري لغزا لم يتمكن العلماء من اكتشافه بالكلية، بحر من الأسرار لم تستغل طاقاته الكامنة إلى الحد الأقصى. و في الوقت ذاته، يمكن لهذا العضو المعقد أن يكون بسيطا حد السذاجة، يسهل خداعه و إيهامه بأمور لا وجود لها إلا في مخيلة صاحبه.

منذ الأزل، و البشر يهوون إيجاد الفروقات بينهم و بين الآخر، ويعاملونه، سواء بشكل جيد ام سلبي، على أساس هذه الفروقات. منذ قديم الزمان و البشر يعاملون الآخر حسب جنسه، لونه، جنسيته، طبقته الإجتماعية، حسبه و نسبه، مظهره و مدى ثراءه، كل هذا جزء لا يتجزأ من طبيعة النفس البشرية الميالة إلى الشر.

لكن لأن البشر يأبون إلا أن يكونوا مصدرا لا ينضب للأفكار التي تكرس الفروقات بين البشر، و إن كانت غير ذي منطق بعض الأحيان، فإن نوعا جديد من الهراء قد طفا على السطح مؤخرا، نوعا جديدا من معاملة الآخر حسب اصطفاف النجوم في السماء وقت ولادته.

أبراج النجوم بكل بساطة تقول أن شخصيتك و طباعك و أفكارك ماهية إلا نتيجة التوقيت الذي ولدت فيه؛ فمواليد كل شهر من السنة ينتمون إلى برج معين، و يتحلى مواليد كل برج بصفات،غالبا تكون صفات عامة تنطبق على أي شخص بغض النظر عن أي برج ينتمي و رغم ذلك تجد المؤمن بالأبراج مقتنع تمام الإقتناع أن تلك الصفات العامة تنطبق على مواليد برجه و حسب و لا تنطبق على غيرهم. و ليت الأمر يتوقف الأمر على ذلك بل يتعداه إلى تحديد نسب تطابق و اتفاق الأشخاص من برج معين مع برج آخر و أي من الأبراج يجب ألا يكون أضحابها علاقات مع الأبراج التي لا تتفق معها.

هذا الهراء يلاقي رواجا كبيرا بين الناس حول أقطار العالم و يبني الكثير علاقاتهم مع أنفسهم و مع غيرهم على هذا الأساس الهش المثير للحزن!

في الشبكات الإجتماعية يصادف أن ترى كثيرا من المعرفات و قد تزينت بأيقونة برجها التي ولدت، فهم بذلك يؤمنون أن سيجذبون الأشخاص التي تتطابق أبراجهم معهم، و أنهم سيبعدون أولئك المتنافرين عنهم، لاغين بذلك أي اعتبار لشخصياتهم، خبراتهم في الحياة و لإرادتهم الحرة بعيدا عن هرطقات لا معنى لها، و الأنكى و الأمر حسابات الأبراج تلك التي تتاجر بعقول الناس التي تصدق الأبراج و تتلاعب بهم كيفما تشاء!

و لأن العلم يتفوق على الخزعبلات فإنه يملك جوابا لهذا الإنحياز المعرفي اللامنطقي؛ يطلق على هذه الظاهرة اسم (تأثير بارنم) أو (التصديق الذاتي = Subjective Validation)؛ حيث تحاول النفس ربط أمرين لا رابط ملزم بينهما، لكنها تجد سبب يدعوها للربط بينهم، ففي حالة مصدقي الأبراج تجدهم يستميتون دائما في تفسير أي تصرف يقوم به شخص ما بأنه نابع من كونه من مواليد ذلك البرج أو ذاك حتى و إن كان تصرفا عاديا يفعله أي شخص من أي برج كان، لكن القولبة و التنميط الذي فرضته الأبراج حتمت عليهم أن يخادعوا حتى عقولهم لكي يقتنعوا بصحة الصفات المذكورة لكل برج.

في تجربة أجراها العالم بيرني سيلفرمان في العام 1971 عرض على المشاركين فيها 12 رسمة كل واحدة منها تعبر عن صفة شخصية و طلب من كل مشارك أن يختار أفضل 4 رسمات تعبر عنهم ثم أعاد التجربة مرة أخرى و لكن هذه المرة كانت كل رسمة معرفة بالبرج الذي تنتمي إليه زعما و كانت النتائج مثيرة جدا للإهتمام؛ حيث اختار المشاركون في المرة الأولى صفات ليست علاقى لها بالأبراج التي ينتمون إليها بينما اختاروا في المرة الثانية الصفات التي كانت معرفة بأبراجهم….

يقول فولتير: “المتعة قد تأتي من الوهم، لكن السعادة تأتي فقط من الواقع”، لنتقبل حقيقة أن شخصياتنا بكل محاسنها و عيوبها هي نتاج خبرات حياتية، نتاج تجارب حلوة و مرة، و أنها أكبر و أعظم و أعمق من مجرد اصطفاف بضعة نجوم في السماء.

افخر بذاتك أيا كانت، و لا تلغ وجودها لأن أحدا أخبرك أن تفعل!

دمتم بود….

 

 

السبينرز…..الرأسمالية……و بيع التوتر للأطفال

يقول الكاتب الأمريكي إدواد آبي في معرض سخريته بالرأسمالية و هوسها بإكتشاف أسواق جديدة بغرض الإنتشار و التوسع “النمو لأجل النمو فقط هي عقلية الخلية السرطانية”

لا يوجد ما يصعب على العجلة الرأسمالية أن تصل إليه، و لا محظور أو محرم في عرفها، فهي كما يقتضي اسمها، تعني برأس المال و رأس المال فقط، كل ما تهتم به هي كيف تكتشف سوقا جديدة و تغرقها بالغث و السمين من البضائع و تروجها بالكذبات الجميلة و المعسولة لكي تصل إلى جيب المستهلك و تستنفده حتى آخر فلس….

كل ذلك لا يهم، هذا ليس بالأمر الجديد و لست هنا لكي أنصب نفسي خلفا لماركس أو جيفارا، إنما أنا هنا لأحدثكم عن آخر صرعات الرأسمالية و كذباتها “الجميلة” لترويج أجدث بضائعها….

سبينرز….هوس الأطفال الحالي و لا أبالغ إن قلت أن لا يوجد بيت به أطفال إلا و فيه هذه اللعبة. في الحقيقة لم أسمع بها إلا مؤخرا عندما وجدتها مع أخي الأصغر و سألته عنها فقال لي أنها اللعبة “الموضة” حاليا و أنها تساهم في “تخفيف التوتر”….

لم ألق لها بالا حينها للحيلة التسويقية التي ذكرها و افترضت أنها مجرد كلمة سمعها. تمضي الأيام و ألتقي ببعض الأقارب في مناسبة إجتماعية لألتقي بإين خالتي الذي لم يتجاوز الـ12 عاما و الذي كان يلح إلحاحا شديدا على أخيه الأكبر أن يشتري له اللعبة إياها، شد انتباهي حديثهما فسألت الطفل إن كان هو أيضا انضم لهذه الموضة كبقية الأطفال و قبل أن يجيب طلب مني أخاه الأكبر أن أسأله ما فائدة هذه اللعبة فسألته و كان جوابه لي أنها “تزيل التوتر”

هنا ارتسمت على رأسي علامة استفهام كبيرة جدا؛ مالذي يعرفه طفل لازال طالبا في الإبتدائية عن التوتر؟؟ و لماذا طفل في هذا السن يعرف مصطلح “توتر” من الأساس؟!

قمت ببعض الأبحاث بعد هذه الحادثة و وجدت بالفعل أن هذه اللعبة تسوق على أنها “مزيل للتوتر” و لكنها موجهة أساسا لمرضى التوحد و المصابين بالقلق الشديد و قصور الإنتباه، على كل حال الرأسمالية لا تأبه بذلك على كل حال إذا كان هنالك من هو قادر على الدفع و الشراء….

لم أرزق بأطفال بعد و لكن أعلم علم اليقين أن التوتر أمر خطير جدا و لا مزاح فيه، ظاهرة لم يسلم منه إلا القلة القليلة في هذا الزمن و سبب رئيسي لأمراض عديدة تؤدي إلى الوفاة. ليس من المفترض على الأطفال أن يعلموا بوجود هذا الشيء أصلا، لا زال الوقت مبكرا جدا عليهم بأن يتعرفوا عليه و على مسبباته. من المفترض أن يكون أقصى اهتمام الأطفال في هذه المرحلة من حياتهم هو كيف يحصل على أقصى قدر من المتعة في يومه و أن ينهي فروضه المدرسية، سيأتي الوقت الذي سيصابون فيه بالتوتر جراء مدرائهم و زملائهم في العمل و فواتيرهم التي لن تنتهي و علاقاتهم العاطفية المعقدة…

أصدقائي التجار الرأسماليين: لا فائدة من الحديث معكم….تعودنا عليكم…..

أعزائي الآباء و الأمهات: احموا أطفالكم من عالمنا، الرأسمالية تبيع الجنس و التوتر و كل مصائب الكبار للأطفال؛ بالنسبة لها هي مجرد سوق جديدة لم تكتشف بعد و تسعى للنمو و التغلغل فيها كالسرطان…

بعثرة-عن سن الثلاثين

أحدثكم عن سن ما بعد الثلاثين، أو عني بعدما تخطيت الثلاثين…

سن الثلاثين هو ذلك السن الذي تدرك فيه بأنك أصبحت متورطا في هذه الحياة أكثر مما ينبغي، و أن حياتك لم تعد ملكك بل رهينة أشخاص آخرين….

تدرك أنك في منتصف الطريق، تجني ثمار ما فعلته في مرحلة العشرينات لا لتستريح بل لتعد نفسك لما هو قادم، نقطة وصل فارقة بين الماضي و المستقبل.

في سن الثلاثين تبدأ بتجهيز نفسك لأمور كثيرة و تتعايش معها، لعل أهمها هو الفشل و أنه قد يكون أعظم مدرسة تعلمك، أو أعظم عقدة تصيبك

في سن الثلاثين تعلم حقا بأن النساء يذهبن و يحئن، و تدرك أن الإحترام أهم من الجب، و أن من يهديك قلبه عملة نادرة فلا تفرط بها، و أنه مهما بلغت بك الظنون بأنك إنسان مميز فلا بد من تقديم التنازلات لتحيا حياة سعيدة مع من تحب….

في سن الثلاثين يخيفك الموت أكثر و أكثر، لا لأنك ستموت بل بسبب تلك الفواجع المحتومة التي ستصيبنا فيمن نحب….

في سن الثلاثين تفزعك اتصالات الصباح الباكر، و اتصالات الليل المتأخرة، و أي اتصال غير متوقع و في غير موعده…

في سن الثلاثين وقتك ليس ملكك، راحة بالك ليست ملكك و إنما ملك الفواتير التي تضع الطعام على الطاولة، ملك والديك اللذان تقدما في العمر و بدت آثار الزمن عليها، ملك زوجتك و أطفالك الذيين أنت مسؤول عنهم و ملك رئيسك في العمل ذو المزاج المتقلب غالبا…

شئت أم أبيت فستتعلم السياسة و المجاملات في سن الثلاثين، فلا أنت بالغر المراهق الذي يغفر له طيشه، و لا بالكهل الذي لا يؤاخذه أحد على ما يقول و يفعل….

في سن الثلاثين الكل يحاول أن يجرك خلفه إلى حيث يذهب؛ إن كنت أعزبا فالكل يحاول تزويجك، و إن كنت متزوجا فالكل يترقب طفلك الأول، و إن كان لديك طفل فلا بد أن تهديه أخا أو أختا….

تقولبك الحياة في سن الثلاثين و تنمطك، تسير الحياة على نفس الوتيرة: أمس مثل اليوم مثل غدٍ و بعد غد، تقضي نصف يومك في العمل و نصفه الآخر مستلقيا تحاول استعادة طاقتك المستنزفة…

في سن الثلاثين تملك المال، لكن لا تملك الوقت و لا الطاقة…

في سن الثلاثين تزهد في الجدال و النقاش العقيم و تدرك أن راحة البال لا تقدر بثمن، تدفع مقابلها كل ما تملك لكي تحصل عليها

في سن الثلاثين قد تتغير كثيرا من قناعاتك….و تغير رأيك في أمور عديدة….

قد تكفر بكثير مما كنت تؤمن به سابقا….في سن الثلاثين….