في وهم الأبراج

لا يزال العقل البشري لغزا لم يتمكن العلماء من اكتشافه بالكلية، بحر من الأسرار لم تستغل طاقاته الكامنة إلى الحد الأقصى. و في الوقت ذاته، يمكن لهذا العضو المعقد أن يكون بسيطا حد السذاجة، يسهل خداعه و إيهامه بأمور لا وجود لها إلا في مخيلة صاحبه.

منذ الأزل، و البشر يهوون إيجاد الفروقات بينهم و بين الآخر، ويعاملونه، سواء بشكل جيد ام سلبي، على أساس هذه الفروقات. منذ قديم الزمان و البشر يعاملون الآخر حسب جنسه، لونه، جنسيته، طبقته الإجتماعية، حسبه و نسبه، مظهره و مدى ثراءه، كل هذا جزء لا يتجزأ من طبيعة النفس البشرية الميالة إلى الشر.

لكن لأن البشر يأبون إلا أن يكونوا مصدرا لا ينضب للأفكار التي تكرس الفروقات بين البشر، و إن كانت غير ذي منطق بعض الأحيان، فإن نوعا جديد من الهراء قد طفا على السطح مؤخرا، نوعا جديدا من معاملة الآخر حسب اصطفاف النجوم في السماء وقت ولادته.

أبراج النجوم بكل بساطة تقول أن شخصيتك و طباعك و أفكارك ماهية إلا نتيجة التوقيت الذي ولدت فيه؛ فمواليد كل شهر من السنة ينتمون إلى برج معين، و يتحلى مواليد كل برج بصفات،غالبا تكون صفات عامة تنطبق على أي شخص بغض النظر عن أي برج ينتمي و رغم ذلك تجد المؤمن بالأبراج مقتنع تمام الإقتناع أن تلك الصفات العامة تنطبق على مواليد برجه و حسب و لا تنطبق على غيرهم. و ليت الأمر يتوقف الأمر على ذلك بل يتعداه إلى تحديد نسب تطابق و اتفاق الأشخاص من برج معين مع برج آخر و أي من الأبراج يجب ألا يكون أضحابها علاقات مع الأبراج التي لا تتفق معها.

هذا الهراء يلاقي رواجا كبيرا بين الناس حول أقطار العالم و يبني الكثير علاقاتهم مع أنفسهم و مع غيرهم على هذا الأساس الهش المثير للحزن!

في الشبكات الإجتماعية يصادف أن ترى كثيرا من المعرفات و قد تزينت بأيقونة برجها التي ولدت، فهم بذلك يؤمنون أن سيجذبون الأشخاص التي تتطابق أبراجهم معهم، و أنهم سيبعدون أولئك المتنافرين عنهم، لاغين بذلك أي اعتبار لشخصياتهم، خبراتهم في الحياة و لإرادتهم الحرة بعيدا عن هرطقات لا معنى لها، و الأنكى و الأمر حسابات الأبراج تلك التي تتاجر بعقول الناس التي تصدق الأبراج و تتلاعب بهم كيفما تشاء!

و لأن العلم يتفوق على الخزعبلات فإنه يملك جوابا لهذا الإنحياز المعرفي اللامنطقي؛ يطلق على هذه الظاهرة اسم (تأثير بارنم) أو (التصديق الذاتي = Subjective Validation)؛ حيث تحاول النفس ربط أمرين لا رابط ملزم بينهما، لكنها تجد سبب يدعوها للربط بينهم، ففي حالة مصدقي الأبراج تجدهم يستميتون دائما في تفسير أي تصرف يقوم به شخص ما بأنه نابع من كونه من مواليد ذلك البرج أو ذاك حتى و إن كان تصرفا عاديا يفعله أي شخص من أي برج كان، لكن القولبة و التنميط الذي فرضته الأبراج حتمت عليهم أن يخادعوا حتى عقولهم لكي يقتنعوا بصحة الصفات المذكورة لكل برج.

في تجربة أجراها العالم بيرني سيلفرمان في العام 1971 عرض على المشاركين فيها 12 رسمة كل واحدة منها تعبر عن صفة شخصية و طلب من كل مشارك أن يختار أفضل 4 رسمات تعبر عنهم ثم أعاد التجربة مرة أخرى و لكن هذه المرة كانت كل رسمة معرفة بالبرج الذي تنتمي إليه زعما و كانت النتائج مثيرة جدا للإهتمام؛ حيث اختار المشاركون في المرة الأولى صفات ليست علاقى لها بالأبراج التي ينتمون إليها بينما اختاروا في المرة الثانية الصفات التي كانت معرفة بأبراجهم….

يقول فولتير: “المتعة قد تأتي من الوهم، لكن السعادة تأتي فقط من الواقع”، لنتقبل حقيقة أن شخصياتنا بكل محاسنها و عيوبها هي نتاج خبرات حياتية، نتاج تجارب حلوة و مرة، و أنها أكبر و أعظم و أعمق من مجرد اصطفاف بضعة نجوم في السماء.

افخر بذاتك أيا كانت، و لا تلغ وجودها لأن أحدا أخبرك أن تفعل!

دمتم بود….

 

 

السبينرز…..الرأسمالية……و بيع التوتر للأطفال

يقول الكاتب الأمريكي إدواد آبي في معرض سخريته بالرأسمالية و هوسها بإكتشاف أسواق جديدة بغرض الإنتشار و التوسع “النمو لأجل النمو فقط هي عقلية الخلية السرطانية”

لا يوجد ما يصعب على العجلة الرأسمالية أن تصل إليه، و لا محظور أو محرم في عرفها، فهي كما يقتضي اسمها، تعني برأس المال و رأس المال فقط، كل ما تهتم به هي كيف تكتشف سوقا جديدة و تغرقها بالغث و السمين من البضائع و تروجها بالكذبات الجميلة و المعسولة لكي تصل إلى جيب المستهلك و تستنفده حتى آخر فلس….

كل ذلك لا يهم، هذا ليس بالأمر الجديد و لست هنا لكي أنصب نفسي خلفا لماركس أو جيفارا، إنما أنا هنا لأحدثكم عن آخر صرعات الرأسمالية و كذباتها “الجميلة” لترويج أجدث بضائعها….

سبينرز….هوس الأطفال الحالي و لا أبالغ إن قلت أن لا يوجد بيت به أطفال إلا و فيه هذه اللعبة. في الحقيقة لم أسمع بها إلا مؤخرا عندما وجدتها مع أخي الأصغر و سألته عنها فقال لي أنها اللعبة “الموضة” حاليا و أنها تساهم في “تخفيف التوتر”….

لم ألق لها بالا حينها للحيلة التسويقية التي ذكرها و افترضت أنها مجرد كلمة سمعها. تمضي الأيام و ألتقي ببعض الأقارب في مناسبة إجتماعية لألتقي بإين خالتي الذي لم يتجاوز الـ12 عاما و الذي كان يلح إلحاحا شديدا على أخيه الأكبر أن يشتري له اللعبة إياها، شد انتباهي حديثهما فسألت الطفل إن كان هو أيضا انضم لهذه الموضة كبقية الأطفال و قبل أن يجيب طلب مني أخاه الأكبر أن أسأله ما فائدة هذه اللعبة فسألته و كان جوابه لي أنها “تزيل التوتر”

هنا ارتسمت على رأسي علامة استفهام كبيرة جدا؛ مالذي يعرفه طفل لازال طالبا في الإبتدائية عن التوتر؟؟ و لماذا طفل في هذا السن يعرف مصطلح “توتر” من الأساس؟!

قمت ببعض الأبحاث بعد هذه الحادثة و وجدت بالفعل أن هذه اللعبة تسوق على أنها “مزيل للتوتر” و لكنها موجهة أساسا لمرضى التوحد و المصابين بالقلق الشديد و قصور الإنتباه، على كل حال الرأسمالية لا تأبه بذلك على كل حال إذا كان هنالك من هو قادر على الدفع و الشراء….

لم أرزق بأطفال بعد و لكن أعلم علم اليقين أن التوتر أمر خطير جدا و لا مزاح فيه، ظاهرة لم يسلم منه إلا القلة القليلة في هذا الزمن و سبب رئيسي لأمراض عديدة تؤدي إلى الوفاة. ليس من المفترض على الأطفال أن يعلموا بوجود هذا الشيء أصلا، لا زال الوقت مبكرا جدا عليهم بأن يتعرفوا عليه و على مسبباته. من المفترض أن يكون أقصى اهتمام الأطفال في هذه المرحلة من حياتهم هو كيف يحصل على أقصى قدر من المتعة في يومه و أن ينهي فروضه المدرسية، سيأتي الوقت الذي سيصابون فيه بالتوتر جراء مدرائهم و زملائهم في العمل و فواتيرهم التي لن تنتهي و علاقاتهم العاطفية المعقدة…

أصدقائي التجار الرأسماليين: لا فائدة من الحديث معكم….تعودنا عليكم…..

أعزائي الآباء و الأمهات: احموا أطفالكم من عالمنا، الرأسمالية تبيع الجنس و التوتر و كل مصائب الكبار للأطفال؛ بالنسبة لها هي مجرد سوق جديدة لم تكتشف بعد و تسعى للنمو و التغلغل فيها كالسرطان…