بل اكرهوا اللعبة أيها المثقفون

لم يغب عن أي مطلع على وسائل التواصل الإجتماعي اللغط  الذي أثاره بعض المثقفين قبل عدة أسابيع بسبب نشر أحد مشاهيرالشبكات الإجتماعية كتابا له في معرض الرياض للكتاب و مطالباتهم بسحب الكتاب من المعرض بل ومنع ذلك المشهور من دخول المعرض بسبب أنه “طفل” و”ليس لديه فكر”.

ساد اللغط في تويتر لفترة و كثرت التحليلات حول السبب الحقيقي لهذه المطالبات، و بغض النظر عن السبب الحقيقي فإننا إن عدنا خطوتين إلى الوراء و نظرنا للأمر من منظور أشمل و أوسع نجد أن هؤلاء المثقفين يوجهون غضبهم و مشاعرهم السلبية على الشخص الخطأ؛ القدرة على الكتابة و التأليف ليست محصورة على سن معينة ولا يوجد قانون  يقتضي بمنع الأطفال من الكتابة، و لا كل الكتب الموجودة على أرفف متاجر الكتب بذلك العمق الأدبي الذي يجعل هؤلاء المطالبين بالمنع يجن جنونهم بهذه الطريقة. إن كان هناك ما يستحق الغضب فلنغضب على حقيقة أنه لا توجد في العالم العربي صناعة نشر حقيقية!

و ماذا يعني عدم وجود صناعة نشر؟

صناعة النشر بإختصار، عندما تتواجد كصناعة مؤسسية حقيقية، تقدم للمؤلف خدمات حقيقية تضيف إلى المؤلف و كتابه قيمة عالية، لعل أولها و أهمها أنها تمنعه من الوصول إلى السوق إن لم يكن جاهزا لتقديم ما يستحق القراءة من قبل الجمهور، و تضعه أمام حقيقة أن كونك قادرا على صف الكلمات جنبا إلى جنب لا يصنع منك كاتبا من المحاولة الأولى.

ليس من المجهول على كل من مر بتجربة التأليف و النشر في العالم العربي حقيقة أن دور الناشر العربي في دورة حياة كتاب لا تتعدى كونه مجرد “معقب” أو وسيط؛ غالبا ما تنحصر وظيفته، بعد تحصيل رسومه مقدما، في الحصول على التراخيص اللازمة للنشر من الجهات الحكومية و التواصل مع المطبعة و إيصال الكتاب إلى منافذ البيع: لا خدمات تحريرية، لا مراجعة حقيقية للمحتوى و تركيبه، لا مراجعة لغوية أو إملائية، و لا حتى تسويق للكتاب المنشور بل قد يخبرك الناشر بأن التسويق هي مسؤوليتك كمؤلف!

لا شيء ذي قيمة حقيقية يضيفه الناشر العربي إلى الكتاب المطبوع، في الحقيقية إن أردنا تلخيص عملية النشر في العالم العربي فهي كالآتي:

  1. اكتب ما شئت (في ظل مظلة الرقيب بالطبع!)
  2. تواصل مع أي دار نشر
  3. ادفع تكاليف الطباعة و النشر من جيبك
  4. مبارك عليك! أنت الآن أصبحت كاتبا و من زمرة المؤلفين!

 

غضب المثقفين في هذه الحادثة مفهوم، لكنه يصب في شخصنة المشكلة ضد الأطراف الخطأ. ليست المشكلة في من كتب ماذا، المشكلة تتمثل في أن سوق النشر بوضعه الراهن يتيح الفرصة للجميع نشر مؤلفاتهم بغض النظر عن جودة محتواها طالما أن أصحابها سيتكفلون بدفع تكاليف طباعتها و سيتحملون عبء تسويقها، و مشاهير الشبكات الإجتماعية كانوا أكثر ذكاء و نفعية عندما انتبهوا لهذه الثغرة التي لن تجعل أي شخص  في موضعهم أن يتردد لوهلة في أن يستغل شهرته وينشر كتابا أيا كان محتواه طالما أنها سيزيد شهرته، و هذا ما تحقق للمشهور إياه.

 

صناعة النشر في العالم العربي تحتاج إلى مراجعة و إعادة نظر لكي تتمكن من التطور من كونها مجرد “دكاكين ربحية” إلى مؤسسات تقدم المؤلفين العرب الواعدين و المميزين إلى القراء بآلية ترقى بجودة المحتوى الأدبي العربي، و تحفظ حقوق المؤلف و تمكن الناشر نفسه من الربح. أين يجد المثقف العربي نفسه من هذه المسؤولية؟

 

إلى أن يحدث هذا التغيير سنرى مزيدا من هذه الكتب، و لا يسعنا سوى استعارة مقولة أمريكية نختم بها هذه المقالة: لا تكرهوا اللاعبين، بل اكرهوا اللعبة أيها المثقفون!