قليل من الملل…كثير من التركيز

بادئ ذي بدء: ينبغي علينا أن نتفق على ثلاث حقائق:

1- الشبكات الإجتماعية منصة نشر لأعمالك الإبداعية التي تصنعها خارج هذه الشبكات، وليست هذه الشبكات بحد ذاتها محفزا أو ملهما إبداعيا، كونك متواجدا على هذه الشبكات على الدوام لن يساعدك على إطلاق إبداعاتك أبدا

2- الملل عدو لدود للعقل البشري، ولكنه مثل البكتيريا النافعة للإنسان، وجود القليل منه بشكل مستمر مفيد جدا للقريحة الإبداعية

3- المعادلة لكونية لإنتاج أي عمل إبداعي هي: قليل من الملل + كثير من التركيز، و إخلالنا لوزنية هذه المعادلة هي السبب الرئيسي لاضمحلال المحتوى الإبداعي

أولا: لماذا قليل من الملل؟

عقل الإنسان في حالة نشاط مستمرة، و لايمكن له أن يمضي ثانية واحدة دون أن يكون منخرطا في أي نشاط، سواء كان هذا النشاط عبارة عن أفكار عشوائية تباغتك، أم تأملاتك في نقوش أرضية الحمام و أنت تقضي حاجتك، أم حاجتك المستمرة لإلقاء نظرة على شاشة جوالك المحمول لقراءة آخر المستجدات في حساباتك الاجتماعية

كل هذه مؤشرات على عقل بحالة سليمة يبحث عن محفزات (Stimuli) تجعله في حالة نشطة على الدوام، علامات تشير إن عقلك يقاوم الملل و يريد أن ينشغل في أي شي

في عصرنا الحالي، نستطيع أن نقول بكل فخر، أننا اجتثثنا الملل من جذوره، و نجحنا بكل اقتدار مع كل وسائل الترفيه الوافرة من حولنا بأن نجعل أنفسنا ترفيه مستمرة، وعقولنا في حالة انشغال مستمرة. لكن للأسف، وقعنا في آخر أكثر خطورة أثناء هروبنا من الملل!

الدماغ البشري مثل قطعة الاسفنج، يتشرب كل ما يتلقاه لكي يبقى في حالة نشاط دائم، إن تركته جافا تضرر و تركته يتشرب أكثر من اللازم تضرر أيضا، و مع وفرة وسائل الترفيه و المشتتات من حولنا أستطيع الجزم أن عقولنا أصبحت متشربة أكثر من اللازم على الدوام!

و ماذا يعني ذلك؟ و مالخطر الكامن هنا؟ كي نفهم هذا الخاطر ينبغي علينا أولا أن نفهم كيف يعمل العقل البشري

هناك وضعيتين يعمل بها العقل البشري:

  1. وضعية الإنتباه التنفيذي (Executive Attention Mode): في هذه الوضعية يركز الدماغ على تنفيذ مهمة واحدة فقط و هي إدارة المعلومات في الذاكرة قصيرة المدى ويهمل جميع العمليات الأخرى التي تدور بداخله، ويتم تفعيل هذه الوضعية عندما ينخرط الشخص في نشاط يستقي منه فيض معلوماتي بسكل متواصل (مشاهدة التلفزيون، التحديق في شاشة الهاتف و متابعة تحديثات الشبكات الاجتماعية إلخ..)
  2. الوضعية الافتراضية (Default Mode): في هذه الوضعية يقوم الدماغ بأرشفة جميع المعلومات الواردة من الذاكرة قصيرة المدى إلى الذاكرة طويلة المدى، و تحليلها و الربط بينها و خروج بأفكار منها. و لا يعمل الدماغ على هذه الوضعية إلا إذا الشخص في نشاط لايضع مجهودا على الدماغ (التأمل، المشي، غسيل الصحون على سبيل المثل)

حالة الترفيه المستمرة التي وضعنا أنفسنا فيها هربا من الملل تجعلنا على الدوام في الوضع التنفيذي، بمعنى أن الدماغ يستقبل فيضا وافرا من المعلومات و لا يجد الفرصة لأرشفتها و تحويلها إلى الذاكرة طويلة و الاستفادة منها، مما يؤدي في نهاية المطاف إلى حالة تفكير سطحية مستمرة لا ينتج منها أي عمق فكري أو أفكار لمحتوى إبداعي

لهذا السبب نقرأ كثيرا في الشبكات الإجتماعية وكأننا لا نقرأ، نشاهد و كأننا لم نشاهد، لأن المعروض فيها كثير جدا في فترة زمنية قصيرة، أكثر من قدرة العقل البشري على معالجته بسرعة

ثانيا: لماذا كثير من التركيز؟

التركيز، و التركيز العميق على وجه التحديد، يضع الشخص في حالة من اتصال الأفكار تساعده على إنتاج محتوى ذي جودة عالية لا يمكن له أن ينتجها و هو في حالة تركيز سطحي

ومن نافلة القول بأن تنبيهات الجوال المتواصلة هي العدو اللدود للتركيز، و التي جعلت من الصعب، بل من المستحيل، البقاء في حالة تدفق فكري عميق

حسنا، مالعمل الآن؟

في خضم الوفرة الحاصلة في الترفيه، كيف يمكن لنا أن نحصل على قليل من الملل وكثير من التركيز؟

  1. قنن وقلل خيارات الترفيه لديك، لست بحاجة لأن تشاهد فيلما أو عدة حلقات من مسلسلك المفضل كل يوم، أو أن تكون متواجدا في الشبكات الاجتماعية على الدوام
  2. ضع خطوة، او عقبة إضافية، أمام الوصول إلى كل ما يلهيك، احذف التطبيقات التي تستهلك وقتك من الهاتف، أغلق الهرفة التي بها أجهزة الترفيه (أو افصل جميع الأسلاك إن كانوا في مكان مفتوح)
  3. خصص وقتا محددا في الأسبوع للترفيه، و تذكر دائما أن أولويتك رقم 1 هي الاستفادة من وقتك بشكل منتج و ليس الترفيه
  4. احذف كل الوافر في حياتك، لست بحاجة إلى جمع أطنان من المسلسلات و الأفلام لديك، ولست بحاجة إلى فتح حساب في جميع شبكات التواصل، فقط اقتن ما انت بحاجة إليه
  5. خصص وقتا في أسبوعك للعزلة، أغلق هاتفك المحمول و ابتعد عنه لساعة على الأقل و أؤكد لك أنك لن تمت 😊
  6. أغلق تنبيهات التطبيقات في جوالك، على الدوام
  7. خصص وقتا في اليوم لمتابعة حساباتك، لا أن تكون متواجدا فيها على الدوام
  8. تذكر دائما و أبدأ، تركيزك و انتباهك هي السلعة التي تتقاتل عليها الشبكات الاجتماعية، لا تجعلها فريسة سهلة لهم

قليل من الملل، من ممارسة اللاشيء مفيد لعقلك، لصحتك، لإبداعك

شكرا جزيلا

بعض المراجع المهمة للاستزادة:

Bored and Brilliant – Manoush Zommorodi

https://www.goodreads.com/book/show/33574185-bored-and-brilliant

Deep Work: Rules for Focused Success in a Distracted World – Cal Newport

https://www.goodreads.com/book/show/25744928-deep-work

فكرتان اثنتان على ”قليل من الملل…كثير من التركيز

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s