معضلة الخيار

أعود مرة أخرى للحديث عن الوفرة و أثرها على جود حياة البشر، هذه المرة سأستحضر مصطلح “معضلة الخيار” “Paradox of Choice” الذي ذكره الكاتب الصحفي مالكوم قلادويل في كتابه الرائع Blink عندما تحدث عن قصة التجربة النفسية التي قامت بها دكتورة علم النفس من جامعة كولومبيا شينا أينقار.

التجربة التي قامت بها شينا كانت بسيطة جدا و تهدف إلى توضيح أثر الخيارات الكثيرة على القرارات التي يتخذها الشخص: ما فعلته شينا بالضبط هو أنها قامت بنصب طاولة لبيع المربى بجوار مدخل المتجر المحلي الذي تشتري منه على الدوام.

الخطة كانت كالتالي: عرض عينات من  جميع أنواع المربى المعروضة للبيع للتجربة من قبل الزبائن قبل اتخاذهم قرار الشراء، مع تفصيل صغير في غاية الذكاء….

كانت شينا تغير أعداد المربى المعروضة للبيع من 6 إلى 24 و العكس كل عدة ساعات و قياس عاملين: عدد الزبائن المتجهمرين و نسبة البيع في كل فترة

مالاحظته شينا كان مثيرا للإهتمام بشدة، حيث لاحظت أن عدد الزبائن المتجمهرين على طاولة العرض حينما تعرض 24 نوعا من المربى كان أكثر بكثير من عندما كانت 6 أنواع معرضة فقط، لكن….

لاحظت شينا أيضا أن عدد الزبائن الذين يشترون المربى حين عرضها لـ6 أنواع فقط كان أكثر بكثير من وقت عرضها للـ24 صنفا، على عكس المنطق الذي يدفعنا للحكم أن نسبة المبيعات ستكون أعلى في الحالة الأخيرة!

ما خلصت إليه تجربة شينا، وأكدته بعدها دراسات عديدة قامت بها هي و آخرون، أن الخيارات الكثيرة لا تعني بالضرورة إتخاذ قرار أفضل، ذلك أن الخيارات العديدة تغمرنا بإحتمالات و سيناريوهات متخيلة كثيرة، مما يصعب و بشدة عملية إتخاذ القرا، بالإضافة إلة أن الإختيار من خيارات كثيرة جدا يجعلنا غير راضين عن قرارنا و يدفعنا إلى دائرة “ماذا لو؟” المزعجة   

الآن، قس هذه التجربة على حياتك، خيارات وافرة ولا متناهية من الترفيه على بعد ضغطة زر منك بفضل للتقنيات الحديثة و سرعات الإنترنت العالية التي وضعت نتفلكس، يوتيوب، سبوتيفاي، كرنشي رول، أمازون كندل، أمازون أوديبل، تويتر انستاقرام و بائس الذكر سناب شات وغيرهم العديد رهن إشارتك، اسأل نفسك: هل أنت بحاجة لكل خيارات الترفيه هذه لتجعل من نفسك إنسانا أفضل؟ ليس بالضرورة بل كما رأينا في التجربة سالفة الذمر ستقضي وقنا طويلا متنقلا بينهم دون الخروج بفائدة حقيقية تذكر

لكن، ربما قد يكون هنالك فائدة لوجود الوفرة في حياة الشخص، و قد تكون حالة استثنائية نذكرها هنا من باب الاستئناس

يذكر الكاتب الأمريكي من أصول لبنانية نسيم طالب في مقدمة كتابه (البجعة السوداء) قصة (المكتبة المضادة) التي يمتلكها الروائي الإيطالي العظيم أمبرتو إيكو، فماهي هذه المكتبة المضادة؟

أمبرتو إيكو يعد من الشخصيات الموسوعية وافرة العلم و المعرفة في عالمنا الحديث، يمتلك مكتبة شخصية بها ما يقارب الثللاثون ألف كتابا في كل مجالات الحياة، أعلم جليا ماهو السؤال الذي يشغل عقولكم حاليا: هل قرأ كل هذه الكتب؟ الإجابة هي لا، هل ينوي قراءتها جميعا يوما ما؟ الإجابة هي أيضا لا

إذا، لماذا يملك كل هذه الكتب؟

المكتبة في نظر لإيكو عبارة عن أداة أبحاث، وليست حلية للتباهي و الاستعراض، و يرى إيكو بأن الكتب التي لم تقرأ بعد تحمل قيمة أعلى بكثير من الكتب التي قرأت، و أن أي مكتبة شخصية لابد أن تحتوي على مايجهله صاحبها أكثر مما يعرفه، و أن كلما ازدادت معرفتك مع تقادم السنين ازداد عدد الصفوف التي تحتوي على كتب لم تقرأها في مكتبتك، كتب تنظر إليك بكل تهديد وتشعرك بأنه مهما كنت قارئا ومطلعا بأنه لايزال يوجد الكثير مما لاتعرفه

ختاما

الوفرة وكثرة الخيارات عدوة للتخصص والإبداع، ضيق مدى تركيزك في خيارات معدودة قليلة لتساعد نفسك على النجاح والإبداع فيها

شكرا جزيلا                     

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s