الخوف من رموز السلطة: القلق الذي سيقضي على مستقبلك المهني

هذا الموضوع إهداء لكل من يعلم أن لديه كل مقومات النجاح في الحياة، لكن ما يحول بينه و بين ذاك النجاح مجرد ذكريات قديمة وسيئة عن والديهم أو مدرسيهم أفقدتهم الثقة بأنفسهم و قدراتهم.

سأتكلم عن هذا الموضوع من منظور النجاح في الحياة الوظيفية، قد يكون للنجاح الوظيفي في أي مهنة معادلة بسيطة هي: الإلمام بأمور الوظيفية التقنية + وجود المهارات القيادية

عناصر هذه المعادلة ثابتة و لا تتغير، ولكن نسبة تأثير كل عنصر منها على النجاح الوظيفي يتغير حسب التدرج في المسار المهني، على سبيل المثال لايتوقع من حديثي الخبرة في وظيفتهم الأولى أن يظهر مهارات قيادية عليا بقدر المامه بمتطلبات الوظيفة التقنية والمامه بها (90% معرفة تقنية + 10% مهارات قيادية. وتزداد نسبة المهارات القيادية على حساب المعرفة التقنية كلما ارتقى الشخص في السلم الوظيفي (50%-50% في حالة الإدارة المتوسطة) وتصل إلى 10%-90% في حالة المدراء التنفيذيين.

واضح جدا أليس كذلك؟ إلا أنني قد شهدت خلال العشر سنوات الماضية التي قضيتها في سوق العمل حالات وظيفية لديها كل مقومات النجاح (حسب المعادلة أعلاه) لكنها تواجه صعوبات شديدة في ترسيخ نجاحها هذا لسبب خفي، قليل جدا ممن ينتبهون إليه ويعملون على علاجه.

هذه الفئة، كما أسلفت، لديها كل المقومات للنجاح الوظيفي: يتمتعون بمهارات قيادية عالية مع مرؤوسيهم ويقومون بإضافة كثير من الفائدة لنظرائهم على الدوام،  إلا أنهم عند التعامل مع رؤسائهم يتحولون إلى أشخاص آخرين غير قادرين على الكلام والتعبير عن آرائهم والدفاع عن وجهات نظرهم، يتحاشون لقاء مدرائهم في الممرات وغير قادرين على فتح محادثة عابرة معهم خارج إطار العمل، ويخترعون الأعذار لتحاشي أي موقف يضعهم تحت الاختبار من قبل مدرائهم مما يعطي انطباعا سلبيا عنهم لدى رؤسائهم والإدارة العليا في شركاتهم ويبطئ، إن لم يقتل، فرص نجاهم الوظيفية.

لكن، لماذا تتصرف هذه الفئة هكذا؟

النجاح، في نهاية المطاف، هو عقلية أكثر من كونه مجموعة من الاجراءات والخوارزميات التي عليك تنفيذها بحذافيرها لكي تحقق النجاح المهني، يمنع هؤلاء من اتباع هذه العقلية حواجز نفسية فرضت عليها تمنعها من تحقيق ماتريد، و الحاجز في هذه الحالة هو رهاب يطلق عليه (رهاب رموز السلطة).

ماهو رهاب رموز السلطة؟

هو حالة من القلق تصيب الأشخاص المصابين به عند التعامل مع أي شخص يملك شكلا من أشكال السلطة والقوة. تحول حالة القلق هذه الشخص المصاب بها إلى شخص آخر، يتحول فجأة من شخص متحدث منفتح على الآخرين إلى آخر متوتر شديد الخجل حول غير قادر على الحديث  و التعبير عما يدور برأسه بسهولة حينما يكون متواجدا حول رموز السلطة، مما يؤدي في نهاية إلى ظهوره بشكل غريب ومحرج مشكلا انطباعا سلبيا عنه يضر بمسيرته المهنية وقد يضع حدا لها في بعض الأحيان.

هذا النوع من الرهاب من أكثرها شيوعا و أكثرها ضررا على تطور المجتمعات و الاستفادة من القدرات الكامنة فيها، و لاتجد من يتحدث عنه وعن ضرره الخفي الكبير.

ندين بالفضل لانتشار هذا الرهاب إلى الثقافة الأبوية التي تقدس السلطة المطلقة للأب في بيوت ومدارس وكل أرجاء العالم العربي.

التربية وأسلوب التواصل في البيت والمدرسة هم أهم مسببات هذا الرهاب، وغالبا مايتكون في سن مبكرة لدى الطفل عندما يتعرض إلى موقف محرج ومهين من أحد الرموز السلطة في حياته سواء في البيت أم في المدرسة عن طريق التعنيف اللفظي أم الجسدي.

هذه المواقف تولد لدى الطفل رهبة من رموز السلطة في حياته وتفقده ثقته بهم، وتغمره برغبة مستمرة على الدوام في تحاشي أي موقف يضعه تحت مجهر الاختبار من قبلهم، وتغمره بحالة من الشلل تفقده القدرة على القيام بأبسط عمليات التواصل الانساني معهم

النشأة في بيت به كثير من العنف الأسري تجاه الأبناء من أحد الأبوين أو كلاهما يصنع ندوبا نفسية لا يمكن الشفاء منها بسهولة ويصعب على الشخص المصاب بها أن يحقق أي شكل من أشكال النجاح في المستقبل، عكس البيوت التي ينشر فيها الآباء جوا من الأمان و الطمأنينة ويغرسون في نفوس أبناءهم الثقة بالنفس

أيضا لا أبالغ، وقد يتفق كثير منكم معي خصوصا من كان طالبا مدرسيا إلى بداية الألفينات الميلادية، إن قلت أن المدارس (وخصوصا الحكومية منها) تتحمل جزءا كبيرا من المسؤولية في تخريج أجيال كاملة مصاب بهذا الرهاب، ولاداعي للاستطراد هنا لأني أعلم أن كل منكم لديه قصة ليحكيها  

هذه بعض من النصائح والنوجيهات لمواجهة هذا الرهاب والتخلص منها:

  1. ركز على الشخص وليس على السلطة التي يملكها
  2. ابتعد من وضع نفسك في حالة دفاعية أثناء حديثك مع أحد رموز السلطة
  3. راقب لغة جسدك على الدوام – لا تتراجع عند رؤيتهم وابق تواصل العينين معهم
  4. استرخي وتعلم كيف تضبط أعصابك
  5. امنحهم الثقة بهم و بتوجيهاتهم     
  6. اعزل مشاعر الخوف والقلق ولاتربطهم عقليا برموز السلطة
  7. ركز على الأمور الإيجابية و المشتركة بينك وبينهم
  8. تذكر دائما وأبدا أن الشخص صاحب السلطة هو إنسان مثلك وليس وحشا
  9. لا تخاف من أن تكون حازما عند الحاجة، ليش بالضرورة أن تكون ردة فعلهم سلبية كما تتخيل في عقلك
  10. لا عيب في مراجعة وزيارة الاستشاري النفسي لمساعدتك على التخلص من هذا الرهاب إن كان بلغ مبلغه معك

ختاما، تربية النشء وتعزيز ثقتهم مسؤولية كبيرة تقع على عاتق البيت والمدرسة، وحري بكل أب وأم، معلم ومعلمة أن يدركوا حجم وعظم وعواقب اساءة التصرف في هذه المسؤولية  

وشكرا

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s