بعثرة-عن سن الثلاثين

أحدثكم عن سن ما بعد الثلاثين، أو عني بعدما تخطيت الثلاثين…

سن الثلاثين هو ذلك السن الذي تدرك فيه بأنك أصبحت متورطا في هذه الحياة أكثر مما ينبغي، و أن حياتك لم تعد ملكك بل رهينة أشخاص آخرين….

تدرك أنك في منتصف الطريق، تجني ثمار ما فعلته في مرحلة العشرينات لا لتستريح بل لتعد نفسك لما هو قادم، نقطة وصل فارقة بين الماضي و المستقبل.

في سن الثلاثين تبدأ بتجهيز نفسك لأمور كثيرة و تتعايش معها، لعل أهمها هو الفشل و أنه قد يكون أعظم مدرسة تعلمك، أو أعظم عقدة تصيبك

في سن الثلاثين تعلم حقا بأن النساء يذهبن و يحئن، و تدرك أن الإحترام أهم من الجب، و أن من يهديك قلبه عملة نادرة فلا تفرط بها، و أنه مهما بلغت بك الظنون بأنك إنسان مميز فلا بد من تقديم التنازلات لتحيا حياة سعيدة مع من تحب….

في سن الثلاثين يخيفك الموت أكثر و أكثر، لا لأنك ستموت بل بسبب تلك الفواجع المحتومة التي ستصيبنا فيمن نحب….

في سن الثلاثين تفزعك اتصالات الصباح الباكر، و اتصالات الليل المتأخرة، و أي اتصال غير متوقع و في غير موعده…

في سن الثلاثين وقتك ليس ملكك، راحة بالك ليست ملكك و إنما ملك الفواتير التي تضع الطعام على الطاولة، ملك والديك اللذان تقدما في العمر و بدت آثار الزمن عليها، ملك زوجتك و أطفالك الذيين أنت مسؤول عنهم و ملك رئيسك في العمل ذو المزاج المتقلب غالبا…

شئت أم أبيت فستتعلم السياسة و المجاملات في سن الثلاثين، فلا أنت بالغر المراهق الذي يغفر له طيشه، و لا بالكهل الذي لا يؤاخذه أحد على ما يقول و يفعل….

في سن الثلاثين الكل يحاول أن يجرك خلفه إلى حيث يذهب؛ إن كنت أعزبا فالكل يحاول تزويجك، و إن كنت متزوجا فالكل يترقب طفلك الأول، و إن كان لديك طفل فلا بد أن تهديه أخا أو أختا….

تقولبك الحياة في سن الثلاثين و تنمطك، تسير الحياة على نفس الوتيرة: أمس مثل اليوم مثل غدٍ و بعد غد، تقضي نصف يومك في العمل و نصفه الآخر مستلقيا تحاول استعادة طاقتك المستنزفة…

في سن الثلاثين تملك المال، لكن لا تملك الوقت و لا الطاقة…

في سن الثلاثين تزهد في الجدال و النقاش العقيم و تدرك أن راحة البال لا تقدر بثمن، تدفع مقابلها كل ما تملك لكي تحصل عليها

في سن الثلاثين قد تتغير كثيرا من قناعاتك….و تغير رأيك في أمور عديدة….

قد تكفر بكثير مما كنت تؤمن به سابقا….في سن الثلاثين….

 

 

 

بعثرة – عن السعادة

انظر يا صديقي من حولك، أترى  كل هؤلاء البشر؟ و كل هذا الحزن البادي على وجوههم؟  إنما هذه قلوب متعبة تبحث عمن يخفف عنها و يجعلها تشعر بأنها أفضل مما تعتقده عن نفسها.

لك شرف المحاولة بأن تكون بطل هذه القلوب؛ تكفكف دموعها و تخفف عنها و تخبرها بأن كل شيء سيصبح على ما يرام، و أنهم يستحقون الأفضل في هذه الحياة.

ضع جميع أحزانك خلفك، انتزع جذورها إنتزاعا من قلبك و الق بها في غياهب النسيان، أنى لمن يريد إسعاد أولئك التعساء أن يكون حزينا؟ أن تصنع بسمة أحدهم لهو أمر غاية في السهولة لا سيما إن كان هؤلاء التعساء لا يعرفون ماذا يريدون من حياتهم.

حسنا، إن كنت لازلت تظن بأني جاد و لم تميز نبرة السخرية فيما أقول فأنا أشفق على سذاجتك يا صديقي؛ سعادة أحدهم ليست بيدك مهما فعلت، و إن كنت تظن أن بمقدورك إسعاد من لا يستطيع إسعاد ذاته فلربما تستطيع إسعاده سعادة مؤقتة ، تأخذ من سعادتك و تلق بها في هوة لا قرار لها، هوة تقول هل من مزيد و لا تشبع، لا ذاك التعيس أصبح سعيدا و لا أنت احتفظت بسعادتك.

 السعادة اختيار شخصي أيا كانت الوسيلة المؤدية إليها، إن كنت تظن أن بإستطاعتك إصلاح من لا يريد إصلاح نفسه فأنت لا تقدم أي معروف لأي أحد في هذه المعادلة المستحيلة الحل؛ لا لنفسك و لا للذي تريد إصلاحه و لا للبشرية جمعاء.

لم كل هذه السوداوية؟ لست مضطرا لأبرر موقفي لكم، كل ما أريد قوله هو أن السعادة مورد محدود في هذا العالم، الشيء الوحيد الذي يمكنه استحداث مزيد من السعادة في هذا العالم هي تلك الرغبة الجامحة داخل تلك القلوب الحزينة بأن تصبح أسعد.

كنت سعيدا، ربما، لم أعد أتذكر ما إذا كنت كذلك يوما ما لكني أعلم الآن أني لست كذلك، كنت أظن أنه بمقدوري إسعاد من أريد و لكم كنت مخطئا حين ظننت ذلك…

كل هذا لا يهم الآن، سأتجاوز هذه الحياة و سأضع هذا الجسد المثقل بالهموم و هذا القلب التعيس خلفي…..سأتجاوز كل هذا……